الشيخ محمد رشيد رضا

322

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

يعامل غيرهم من المجاهرين بالعداوة ( وعبارته ممن لا ينافق ) فأنكر اللّه عليهم ذلك وقال وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِما كَسَبُوا أي كيف تتفرقون في شأنهم والحال ان اللّه تعالى أركسهم وصرفهم عن الحق الذي أنتم عليه بما كسبوا من أعمال الشرك والمعاصي حتى أنهم لا ينظرون فيه نظر إنصاف وإنما ينظرون إليكم وما أنتم عليه نظر الأعداء المبطلين ويتربصون بكم الدوائر اه ما نقلناه عن الدرس وليس عندنا عنه هنا شيء آخر أقول الركس بفتح الراء مصدر ركس الشيء يركسه ( بوزن نصر ) إذا قلبه على رأسه أو رد آخره على أوله ، يقال ركسه وأركسه فارتكس . قال في اللسان بعد معنى ما ذكر : وقال شمر بلغني عن ابن الاعرابي أنه قال المنكوس والمركوس المدبر عن حاله والركس ردّ الشيء مقلوبا اه ويظهر انه مأخوذ من الركس ( بكسر الراء ) وهو كما في اللسان شبيه بالرجيع ، واطلق في الحديث على الروث . والحاصل ان الركس والاركاس شر ضروب التحول والارتداد وهو ان يرجع الشيء منكوسا على رأسه ان كان له رأس أو مقلوبا أو متحولا عن حالة إلى أردأ منها كتحول الطعام والعلف إلى الرجيع والروث ، والمراد هنا تحولهم إلى الغدر والقتال أو إلى الشرك . وقد استعمل هنا في التحول والانقلاب المعنوي أي من إظهار الولاء والتحيز إلى المسلمين إلى إظهار التحيز إلى المشركين ، وهو شر التحول والارتداد المعنوي كأن صاحبه قد نكس على رأسه وصار يمشي على وجهه ( 67 : 22 أَ فَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) ومن كانت هذه حاله في ظهور ضلالته في أقبح مظاهرها فلا ينبغي أن يرجو أحد من المؤمنين نصر الحق من قبله ، ولا ان يقع الخلاف بينهم وبين سائر اخوانهم في شأنه وقد اسند اللّه فعل تعالى هذا الاركاس اليه وقرنه بسببه وهو كسب أولئك المركسين للسيئات والدنايا من قبل حتى فسدت فطرتهم وأحاطت بهم خطيئتهم فأوغلوا في الضلال وبعدوا عن الحق حتى لم يعد يخطر على بالهم ولا يجول في أذهانهم الا الثبات على ما هم فيه ومقاومة ما عداه ، مقاومة ظاهرة عند القدرة ، وخفية عند العجز ، هذا هو أثر كسبهم للسيئات في نفوسهم وهو أثر طبيعي ، وانما اسنده اللّه تعالى اليه لأنه ما كان سببا الا بسنته في تأثير الاعمال الاختيارية في نفوس